سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

260

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

نفسه أدنى قصور في أداء هذا الأمر العظيم علما وعملا ، نعم يكون ذلك من محبي الفخفخة الباطلة وطلاب العيش في الوظائف التي ليسوا من حقوقها في شئ . ظن قوم في زماننا أن أمراض الأمم تعالج بنشر الجرائد وأنها تكفل إنها ضها وتنبيه الأفكار وتقويم الأخلاق . كيف يصدق هذا الظن وإنا لو فرضنا أن كتاب الجرائد لا يقصدون بما يكتبون إلا نجاح الأمة مع التنزه عن الأغراض فبعد أن عم الذهول واسولت الدهشة على العقول وقل القارئون والكاتبون فلا تجد لها قارئا ولئن وجدت القارئ فقلما تجد الفاهم والفاهم قد يحمل ما يجده على غير ما يراد منه ، لضيق في التصور أو ميل مع الهوى فلا يكون منه إلا سوء التأثير فيشبه غذاء لا يلائم الطبع فيزيد الضرر أضعافا . على أن الأمة إذا كانت في درك الهبوط فمن يستطيع تفهيمها فائدة الجرائد حتى تتجه منها الرغبات لاستطلاع ما فيها مع قصر المدة وتدفق سيول الحوادث ؟ ! إن هذا وحقك لعزيز ! ويظن قوم آخرون أن الأمة المنبعثة في أقطار واسعة من الأرض مع تفرق أهوائها وإخلادها إلى ما دون رتبتها بدرجات ورضاها بالدون من العيش والتماس الشرف بالاتماء لمن ليس من جنسها ولا من مشربها ، بل لمن كان خاضعا لسيادتها راضخا لأحكامها ، مع هذا كله إنه يتم شفاها من هذه الأمراض القاتلة بإنشاء المدارس العمومية دفعة واحدة في كل بقعة من بقاعها وتكون على الطراز الجديد المعروف بأوروبا حتى تعم المعارف جميع الأفراد في زمن قريب ومتى عمت المعارف كملت الأخلاق واتحدت الكلمة واجتمعت القوة . وما أبعد ما يظنون ، فإن هذا العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي قاهر ، يحمل الأمة على ما تكره أزمانا حتى تذوق لذته وتجني ثمرته ثم يكون ميلها الصادق من بعد نائبا عن سلطته وقائما مقامها في تنفيذ ما أراد من خيرها . ويلزم هذا الأمر ثروة وافرة تفي بنفقات تلك المدارس وهي كثيرة وموضع كلامنا في الضعف ودوائه ، فهل من الضعف سلطة تقهر وثروة تغني ! ولو كان للأمة هذان ، لما عدّت من الساقطين فإن قالوا يمكن التدريج مع الاستمرار والثبات وافقناهم على الإمكان لولا ما يكون وما هو كائن من طمع الأقوياء حتى لا يدعوا لهم سبيلا لأن يستنشقوا نسيم القوة ، فأين الزمان لنجاح تلك الوسائل البطيئة الأثر .